يتذكر الجسد ما يحاول العقل نسيانه

مكالمة غير متوقعة، أو صوت مألوف، أو حتى رائحة بسيطة، قد تُثير ردود فعل جسدية بعد سنوات. بدأ العلم يفهم لماذا تُمحى بعض التجارب من ذاكرتنا قبل أن تُمحى من جهازنا العصبي.

 

 

بقلم إيهاب سلطان

HoyLunes – تخيل للحظة شخصًا ابتعد عن بيئة عمل سامة لسنوات. انتقل إلى مدينة أخرى، وحصل على وظيفة جديدة، وأعاد بناء حياته بنجاح. يبدو الماضي وكأنه صفحة مطوية. فجأة، في ظهيرة يوم عادي، يهتز الهاتف على الطاولة. يظهر رقم مجهول على الشاشة.

قبل أن يُحلل العقل التسلسل الرقمي أو يُحاول تخمين هوية المتصل، يحدث شيء لا إرادي: تتقلص عضلات الرقبة فجأة، ويتسارع التنفس، وتبدأ راحتا اليدين بالتعرق، ويغمر الصدر شعور مفاجئ بالخطر. بعد ثوانٍ، يُحدد العقل رمز المنطقة أو هوية الصوت على الطرف الآخر من الخط. يستغرق العقل المنطقي وقتًا ثمينًا لفهم الموقف، بينما كان الجهاز العصبي قد استجاب بسرعة خاطفة.

تضعنا هذه الظاهرة أمام أحد أعمق أسئلة الوجود الإنساني: كيف يُعقل أن تستمر أحداثٌ طواها النسيان، ظاهريًا، في إثارة مثل هذه الاستجابات الجسدية الواضحة والشديدة؟

 

 

«لم يُصمم الدماغ لتحقيق رفاهيتنا النفسية، بل لضمان بقائنا؛ ولهذا يُفضل الجسم التذكر الزائد بدلًا من المخاطرة بالنسيان».

 

عندما يختفي الخطر، لكن يبقى الإنذار قائمًا

بالنسبة لعلم الأعصاب الحديث، لا يُعد هذا التفاعل خللًا في النظام ولا حالة مرضية؛ بل هو نتاج آلية تطورية مُتقنة. استجابة الإجهاد هي مجموعة من التغيرات الفسيولوجية التي تطورت لتمكين جنسنا البشري من مواجهة التهديدات الوشيكة لبقائه. عند مواجهة الخطر، يُعيد الكائن الحي توجيه كل طاقته نحو الأنظمة الأساسية للدفاع أو الفرار: ينبض القلب بقوة أكبر، وتتسع حدقتا العينين، ويتوقف الجهازان المناعي والهضمي مؤقتًا.

من منظور تطوري بحت، لم يُصمم الدماغ ليجعلنا سعداء أو ليسعى إلى الرفاهية النفسية؛ بل صُمم ليُبقينا على قيد الحياة. تُفسر هذه الفرضية البيولوجية ما يُسمى بـ انحياز السلبية: يُعطي جهازنا العصبي الأولوية للمنبهات المرتبطة بالخطر ويُخزنها بكفاءة أكبر بكثير من تلك المتعلقة بالأمان أو المتعة. إن تسجيل ما أضر بنا في الماضي بدقة متناهية هو أفضل ضمانة بيولوجية لمنعه من إيذائنا مرة أخرى في المستقبل.

ما نشعر به كرد فعل مبالغ فيه هو في الواقع استجابة تكيفية. لا يستحضر الكائن الحي الماضي بدافع الحنين؛ بل يتحقق ببساطة مما إذا كان الخطر قد عاد.

محفزات غير مؤذية، استجابات عميقة: اللوزة الدماغية تُخزّن البيئة الحسية لتفعيل الإنذار عند أدنى إشارة للتكرار.

الذاكرة التي لا تحفظ التواريخ أو الأسماء

لفهم هذه الظاهرة دون الوقوع في غموض “الذاكرة الخلوية” المستقلة، يصف علم الأعصاب آلية عمل **الذاكرة العاطفية**. فبينما تتولى الذاكرة التصريحية أو الصريحة (التي يديرها الحصين) بوعي مسؤولية الحقائق والتواريخ والأسماء، تعالج الذاكرة الضمنية أو العاطفية التجارب من خلال تراكيب تحت قشرية، وتُعد اللوزة الدماغية النواة الرئيسية لها.

تعمل اللوزة الدماغية من خلال آلية التعلم الترابطي اللاواعي. فعندما نمر بتجربة ذات شدة عاطفية عالية أو ضغط مستمر، تُخزّن هذه البنية المحفزات الحسية المحيطية للبيئة – كنبرة صوت، أو رائحة، أو نمط ضوئي، أو صوت خلفي – وتربطها مباشرةً بالخوف أو استجابة البقاء.

قد ننسى تفاصيل محادثة ما، وقد نمحو بيانات دقيقة لسنة عصيبة من ذاكرتنا الواعية، لكن الجهاز العصبي يُبقي على الروابط الضرورية للبقاء. لهذا السبب، قد لا يتذكر المرء جدالًا محددًا في العمل وقع قبل خمس سنوات، ومع ذلك، قد يشعر بنوبة قلق مفاجئة عند سماعه شخصًا غريبًا يتحدث بنفس نبرة صوت مديره السابق. قد ينسى الدماغ القصة، لكن جهاز الإنذار لا ينسى الإشارة دائمًا.

التطور المتجمد: بالنسبة للجهاز العصبي الودي، تُفرز بيئة العمل العدائية نفس كمية الكورتيزول التي يُفرزها وجود مفترس يتربص.

الجسم لا يُميز بين النمر والبريد الإلكتروني

يمثل تصميم نظام الإنذار الخاص بنا سمة بالغة الأهمية في العالم المعاصر: عدم القدرة على التمييز بين الأصل النوعي للتهديد. عندما تكتشف اللوزة الدماغية محفزًا مرتبطًا بالخطر، فإنها تنشط على الفور الجهاز العصبي الودي، مما يؤدي إلى إطلاق كميات كبيرة من الأدرينالين والكورتيزول من خلال محور الغدة النخامية والكظرية (HPA).

إن الآليات الفيزيولوجية التي حمت أسلافنا من الحيوانات المفترسة الحقيقية أو الكوارث المناخية هي نفسها التي تُفعّل اليوم بفعل تهديدات الحياة الاجتماعية الحديثة: الإهانة العلنية، أو رفض جماعة ما، أو صراع على السلطة في العمل، أو عدم الاستقرار الاقتصادي.

بالنسبة لجزء عميق من الدماغ، قد يبدو لقاء عدائي حالي أكثر إلحاحًا من تهديد مادي من الماضي. بالنسبة لجهاز الإنذار في الجسم، قد يُنظر إلى النقد المستمر أو بيئة العداء المُطوّلة على أنها خطر مادي حقيقي. لا يستجيب الدماغ لمنطق المُحفز، بل لتقييم المخاطر التي يُشكلها على سلامة الشخص.

الندوب الخفية للحياة اليومية

في الممارسة اليومية، تتجسد هذه الآثار البيولوجية في سلوكيات وأحاسيس يمكن لأي قارئ أن يجد نفسه فيها:

 الفزع الشديد عند سماع الإشعارات الإلكترونية.

تجنب شوارع أو مكاتب أو مدن معينة بشكل منهجي دون مبرر منطقي فوري.

 الشعور بتوتر عضلي لا إرادي شديد عند سماع أسماء معينة.

 المعاناة من نوبات أرق أو فرط يقظة ليلية دون سبب بيئي واضح.

 الشعور بإرهاق شديد بعد مواجهة مواقف اجتماعية يومية يعتبرها المحيط “طبيعية”.

يُعاني الكثيرون من هذه المواقف لسنوات دون ربطها بأحداث اعتقدوا أنهم تجاوزوها تمامًا. مع ذلك، من الضروري فهم أن هذه الاستجابات الجسدية والسلوكية لا تُمثل ضعفًا في الشخصية أو مرضًا عقليًا. في الغالبية العظمى من الحالات، تُشكل هذه الاستجابات تكيفات عصبية بيولوجية مكتسبة: حيث تعلم الجهاز العصبي الحفاظ على حالة تأهب وقائية لحماية الفرد في بيئة كانت معادية له في السابق.

المرونة العصبية في العمل: يستعيد الجهاز العصبي اللاودي السيطرة، مُعلِّمًا الكائن الحي أن البيئة الحالية آمنة مرة أخرى.

ما اكتشفه علم الأعصاب عن التعافي

على الرغم من عمق رسوخ هذه الاستجابات الترابطية في الذاكرة، فإن علم الأحياء لا يفرض حكمًا نهائيًا لا رجعة فيه. يُعدّ المرونة العصبية أحد أهم الاكتشافات الثورية في العقود الأخيرة: وهي القدرة الفطرية للدماغ البشري على إعادة تنظيم روابطه العصبية، وتعديل استجاباته، وتوليد تعلم جديد طوال الحياة.

تترك التجارب المؤلمة آثارًا في دوائر اللوزة الدماغية، لكن هذه الآثار ليست أحكامًا نهائية. فمن خلال عمليات انطفاء الخوف و التنظيم العاطفي، يستطيع الجهاز العصبي القيام بعملية إعادة تعلم تكيفية. تتضمن هذه العملية تعريض الكائن الحي للمحفزات التي كانت مرتبطة سابقًا بالخطر ضمن سياق حالي من الأمان المطلق، مما يسمح لقشرة الفص الجبهي بكبح استجابة الإنذار في اللوزة الدماغية تدريجيًا. الدماغ الذي اعتاد على اليقظة يمكنه أيضاً أن يتعلم الهدوء.

لماذا يُفيد الحديث، حتى لو بدت المشكلة قديمة؟

تُشير الأدلة العلمية إلى أن التعافي من الصدمات أو الإجهاد المزمن المتراكم يتطلب نهجاً تكاملياً. فالحديث عن تجربة مؤلمة لا يُغير ما حدث، ولكنه يُمكن أن يُحدث تحولاً جذرياً في طريقة استجابة الدماغ والجسم لتلك الذكرى.

يُتيح التعبير اللفظي والمعالجة العاطفية المُوجّهة، ضمن إطار العلاج النفسي السريري (مثل العلاج السلوكي المعرفي أو إزالة حساسية حركة العين وإعادة المعالجة)، دمج الذاكرة الضمنية في الذاكرة التصريحية. فبمجرد التعبير عن الشعور بعدم الراحة، تتوقف التجربة عن كونها استجابة جسدية عشوائية، وتُصبح جزءاً من تاريخ شخصي له بداية ونهاية.

إلى جانب الدعم النفسي، يُعدّ الدعم الاجتماعي الحقيقي، وممارسة التمارين الرياضية – التي تُساعد على استقلاب فائض الكورتيزول المحيطي – والنوم الصحي، ركائز أساسية لاستعادة توازن الجهاز العصبي اللاإرادي وتعزيز نشاط الجهاز العصبي اللاودي، المسؤول عن الاسترخاء وإصلاح الأعضاء.

لا يكمن التعافي العلمي في محو الماضي بطريقة سحرية، بل في تعليم الجهاز العصبي باستمرار، من خلال تجارب الحاضر، أن الخطر قد زال وأن البيئة الحالية آمنة.

عندما يصبح الجسد مؤرخًا

لا تعمل الذاكرة البشرية كمكتبة ثابتة تُخزّن الملفات على رفوف متطابقة، بل كنظام ديناميكي لأولويات البقاء. ما كان يُصنّفه الدماغ سابقًا كمعلومات حيوية لبقائنا على قيد الحياة، يترك أثرًا عصبيًا بيولوجيًا أعمق بكثير وأكثر مقاومة لمرور الزمن من أحداث الحياة اليومية العادية.

ولعل هذا هو السبب الذي يجعل بعض الناس يتفاجأون عندما يكتشفون أن ما يميزهم أكثر ليس دائمًا ما يتذكرونه بوعي أكبر. أحيانًا يحدث العكس تمامًا: فالحلقات التي تبدو منسية هي تلك التي تستمر في كتابة ملاحظات صغيرة على هوامش الحياة اليومية.

لهذا السبب، تبدو بعض التجارب وكأنها تختفي تماماً من سردنا الواعي لحياتنا – إذ يقرر العقل المنطقي المضي قدماً – لكنها تبقى كامنة في ردود أفعالنا الجسدية التلقائية. يعمل الجسد كمؤرخ دقيق: فهو لا يحتفظ بالرواية الرسمية والمنقحة لتاريخنا، بل بالسجل الدقيق للمعارك التي خضناها من أجل البقاء.

اليوم الذي يتلقى فيه الجسد الأخبار التي كان العقل يعرفها مسبقاً

ربما لا يحدث التعافي العاطفي الحقيقي في اليوم الذي نتوقف فيه عن تذكر تجربة مؤلمة أو عندما نتمكن من نسيانها تماماً. ربما يحدث في لحظة أكثر دقة واستثنائية: في اليوم الذي تعود فيه مكالمة هاتفية، أو رائحة مميزة، أو صوت معين، أو مكان من الماضي فجأة، وتصمت فيه أجهزة الإنذار البيولوجية.

 

 «الحرية العاطفية الحقيقية لا تكمن في محو الماضي من الذاكرة، بل في جعل الحاضر يتوقف عن إطلاق الإنذارات الجسدية التي زرعها الماضي».

 

عندما تسترخي العضلات، ويسير التنفس في مساره الهادئ، وينبض القلب على إيقاع الحاضر، يتحقق التصالح الحقيقي. في تلك اللحظة، يتصل العقل الواعي – الذي كان يعلم لسنوات أن الخطر قد زال – بالجهاز العصبي. الجسد، الذي تصرف لسنوات وكأن التهديد لا يزال قائماً، يفهم أخيراً ما كان العقل يعلمه طوال الوقت: أن المعركة قد انتهت. ولعل هذا أحد أعمق أشكال الحرية.

 

 

#علم_الأعصاب #الصحة_النفسية #الذاكرة_العاطفية #الإجهاد_المزمن #علم_النفس #الرفاهية_العاطفية #الصدمة_النفسية #اللدونة_العصبية #الجهاز_العصبي #التواصل_العلمي #الصحة #الدماغ_البشري #HoyLunes #إيهاب_سلطان

Related posts

Leave a Comment

Esta web utiliza cookies propias y de terceros para su correcto funcionamiento y para fines analíticos. Contiene enlaces a sitios web de terceros con políticas de privacidad ajenas que podrás aceptar o no cuando accedas a ellos. Al hacer clic en el botón Aceptar, acepta el uso de estas tecnologías y el procesamiento de tus datos para estos propósitos. Más información
Privacidad