نهاية استعارة الجيش: نحو علم مناعة الأنظمة

من “الحرب ضد العامل الممرض” إلى علم التوازن الجزيئي: لماذا يُعرّض التبسيط المفرط للصحة العامة للخطر؟

 

بحث وكتابة فريق تحرير “هوي لونيس”، بالتعاون الخاص مع الدكتورة سيلفيا سانشيز رامون، رئيسة قسم المناعة السريرية، مستشفى كلينيكو سان كارلوس/جامعة كومبلوتنسي بمدريد.

 

HoyLunes – لعقود، شرح الطب الجهاز المناعي كما لو كان ساحة معركة: جيوش خلوية، غزاة خارجيون، هجمات، ودفاعات تنهض أو تنهار. لم تكن هذه الاستعارة بريئة؛ فقد بسّطت ونظّمت وسمحت بالتواصل السريع للمفاهيم المعقدة.

لكن اليوم، “أصبح هذا السرد عبئًا سريريًا ومفاهيميًا”.

لم يعد التمسك بـ”علم مناعة الخنادق” مجرد قصور تربوي: بل هو شكل من أشكال التشويه الذي يؤثر على القرارات الطبية، وتوقعات المرضى، وسياسات الصحة العامة. أثبت العلم المعاصر أن الجهاز المناعي لا يعمل كقوة قتالية، بل كشبكة من التعرف والتواصل والتنظيم، متكاملة بشكل وثيق مع الأنظمة الفيزيولوجية الأخرى.

السؤال المحرج ليس ما إذا كان هذا التشبيه قد عفا عليه الزمن – فهو كذلك – بل “لماذا نستمر في استخدامه” في الممارسة السريرية والتعليم الطبي. بالنسبة للدكتورة سيلفيا سانشيز رامون، فإن هذه الفجوة بين المعرفة والسرد لها عواقب وخيمة: “لا يُفهم علم المناعة الحالي من منظور النصر أو الهزيمة، بل من منظور السياق والتوازن الديناميكي والتنظيم التكيفي”.

لا تقترح هذه المقالة تشبيهًا جديدًا أكثر أناقة، بل تقترح “التخلي عن راحة السرديات الثنائية” وتبني علم مناعة يتسق مع التعقيد الذي ندركه الآن.

 من استعارة مفيدة إلى قيد سريري: كيف تغير الفهم العلمي للمناعة

مغالطة ثنائية “الذات/اللاذات”

تطورت النظرة الكلاسيكية للجهاز المناعي، بوصفه قوة صدمة تميز بشكل صارم بين “الذات” و”اللاذات”، إلى نموذج ديناميكي. وكما وصفه الدكتورة سانشيز رامون بدقة، فإن الجهاز المناعي، في جوهره، هو “نظام تعرف جزيئي”.

تشمل وظيفته الأساسية حوارًا مستمرًا مع البيئة، وتنظيم العمليات الفيزيولوجية كالنمو والتكاثر والتفاعل مع الميكروبات. ووفقًا لأطروحة الدكتورة، يُستبدل التمييز الصارم بتفسير إشارات الخطر: إذ يُنشئ الجهاز علاقات بيئية ويعيد ضبط استجاباته وفقًا لحالة الكائن الحي وبيئته.

مغالطة “ضعف المناعة”

في النقاش العام، تُقاس صحة المناعة على مقياس خطي. وقد غذّى هذا التبسيط فكرة “تحفيز” المناعة بشكل أعمى. مع ذلك، في تجربة الدكتورة سانشيز رامون السريرية، يكمن المفتاح في ما هو “مناسب للمحفز ومنظم“.

تؤكد الطبيبة أن معظم الأمراض المناعية ذات الصلة – أمراض المناعة الذاتية، والحساسية، والالتهابات المزمنة – لا تعود إلى ضعف في الجهاز المناعي، بل إلى خلل في تنظيمه أو فرط استجابته. إن تجاهل الاستعداد الوراثي الكامن مع تشجيع التحفيز المناعي العشوائي قد يكون، في كثير من الحالات، ذا نتائج عكسية.

تقود الدكتورة سيلفيا سانشيز رامون نقلة نوعية في علم المناعة السريري، حيث تُعد الدقة اللغوية الخطوة الأولى نحو سلامة سريرية فائقة.

علم المناعة كشبكة تكيفية موزعة

هناك فجوة في فهم علم المناعة كنظام متكامل. تنشأ وظائف المناعة من التفاعل الديناميكي بين الخلايا والجزيئات والأنظمة الأخرى.

تؤكد الدكتورة سانشيز رامون أن أحدث الأبحاث تُظهر أن الجهاز المناعي يعمل كشبكة تكيفية موزعة، قادرة على معالجة المعلومات وتنظيم التوازن الداخلي للجسم من خلال آليات تواصل ثنائية الاتجاه مع أعضاء أخرى، كالدماغ والغدد الصماء. عند هذه النقطة، تُصبح رؤيتها للتواصل متعدد المستويات ثوريةً في الممارسة السريرية التقليدية، التي لا تزال تنظر إلى الجسم كأجزاء معزولة.

تغيير اللغة هو تغيير في المسؤولية

إن الانتقال من “علم المناعة المحدود” إلى “علم المناعة الشامل” ليس مجرد تمرين بلاغي، بل هو “مراجعة أخلاقية ومهنية” لكيفية شرح الطب لنفسه وللمجتمع.

إن الاستخدام المتكرر للأفعال المطلقة – مثل “تقوية” و”تحفيز” و”تدمير” – لا يُبسط نظامًا معقدًا فحسب، بل “يُعطي شعورًا زائفًا بالسيطرة” قد يُبرر تدخلات غير مناسبة للسياق. يؤكد الدكتور سانشيز رامون بشدة: الدقة ليست ترفًا أكاديميًا، بل هي شرط أساسي للسلامة السريرية.

مع ذلك، لا تقع هذه المسؤولية على عاتق وسائل الإعلام وحدها، بل تقع أيضًا على عاتق جهات أخرى. “كما هو الحال في المجتمع الطبي”، الذي غالبًا ما يُعيد إنتاج أطر سردية عفا عليها الزمن بدافع الجمود أو سهولة التواصل.

إن التسليم بأن الجهاز المناعي عبارة عن شبكة تكيفية موزعة يُجبرنا على إعادة النظر في أساليب التدريس واتخاذ القرارات. وفي نهاية المطاف، يدفعنا ذلك إلى “التفكير في الطب كنظام متكامل“.

الصحة كخاصية ناشئة عن تفاعل متعدد المستويات بين أنظمة التحكم الرئيسية في الجسم.

في “HoyLunes“، نُدرك أن هذا النوع من التأمل لا يجد مكانًا في التواصل الترويجي أو التبسيط المفرط. ولذلك، نعمل كمساحة للتحقق الخارجي، حيث لا يتم الدفاع عن العلم ولا تبسيطه: “يتم شرحه ووضعه في سياقه وإخضاعه للتفكير النقدي”.

نتقدم بالشكر الجزيل للدكتورة سيلفيا سانشيز رامون لقيادتها هذا التأمل الضروري، الذي يُدشّن سلسلتنا المُخصصة لحدود اللغة الطبية المعاصرة. ندعو المتخصصين في علم المناعة، وعلم الأعصاب، والغدد الصماء، والطب الباطني للمشاركة في هذا الحوار الذي قد يكون مُزعجًا ولكنه ضروري.

 

السياق العلمي المرجعي:

بولي ماتزينجر و”نموذج الخطر”: [[https://www.annualreviews.org/doi/10.1146/annurev.immunol.12.1.991]

علم المناعة كنظام تكيفي مُعقد (مجلة Nature Reviews Immunology): [[https://www.nature.com/articles/s41577-019-0124-7]

 

#LenguajeMédico #InmunologíaDeSistemas #PensamientoClínico #SilviaSánchez-Ramón #HoyLunes

 

نُخصّص هذه المساحة للأطباء الراغبين في استكشاف القيود المفاهيمية لتعليمهم التخصصي، لا سيما في ظلّ النمط الأكاديمي التقليدي.

Related posts

Leave a Comment

Esta web utiliza cookies propias y de terceros para su correcto funcionamiento y para fines analíticos. Contiene enlaces a sitios web de terceros con políticas de privacidad ajenas que podrás aceptar o no cuando accedas a ellos. Al hacer clic en el botón Aceptar, acepta el uso de estas tecnologías y el procesamiento de tus datos para estos propósitos. Más información
Privacidad