تشريح مفارقة أوروبية: الفجوة بين توليد الأدلة العلمية والاستحواذ على الملكية الصناعية للابتكارات الدوائية.
بقلم إيهاب سلطان
HoyLunes – رسخت إسبانيا مكانتها كإحدى أكثر البيئات نشاطًا في أوروبا للبحوث السريرية. فمستشفياتها الجامعية، وخبرة باحثيها، وبنية نظام الرعاية الصحية المتينة، جعلت منها لاعبًا رئيسيًا في التجارب السريرية الدولية. إلا أن هذه المكانة العلمية المرموقة تتزامن مع مفارقة أقل وضوحًا: فمع انتقال الابتكارات الطبية الحيوية من المستشفيات نحو تسجيل براءات الاختراع والإنتاج الصناعي، تنتقل القيادة المؤسسية عادةً إلى دول أخرى.
لا يعكس هذا الوضع نقصًا في الكفاءات، بل يكشف عن خلل هيكلي في سلسلة القيمة. كيف يُعقل أن دولة قادرة على تنفيذ أكثر التجارب تعقيدًا في علم الأورام أو العلاجات المتقدمة لا تمتلك أغلبية براءات الاختراع الناتجة؟ يكمن الجواب في بنية منظومة الابتكار.
إسبانيا كقوة أوروبية رائدة في البحوث السريرية
أصبحت إسبانيا مركزًا حيويًا لتطوير الأدوية الجديدة، لا سيما في المراحل المتقدمة من البحث، وذلك بفضل ثلاثة ركائز أساسية:
القدرة على استقطاب المرضى: تتميز المستشفيات الإسبانية بسرعة وكفاءة استقطاب المرضى للدراسات المعقدة.
جودة البيانات: تحظى دقة الباحثين المحليين باعتراف دولي من قبل هيئات مثل وكالة الأدوية الأوروبية وإدارة الغذاء والدواء الأمريكية.
التخصص: ساهمت مجالات حيوية مثل الأورام والأمراض النادرة في تحويل مدريد وبرشلونة إلى مراكز مرجعية عالمية المستوى.

سلسلة القيمة: أين تذهب الأرباح؟
لفهم هذه المفارقة، يجب أن ننظر إلى الابتكار الدوائي كسباق تتابع من ست مراحل:
البحث الأساسي (الأوساط الأكاديمية)
التطوير ما قبل السريري (المختبرات)
التجارب السريرية** (المستشفيات) – نقطة قوة إسبانيا
الملكية الفكرية (براءات الاختراع) – نقطة الضعف
الإنتاج الصناعي (المصانع عالية التقنية)
التسويق العالمي (السوق الدولية)
لا تكمن القيمة الاقتصادية الهائلة بالضرورة في تنفيذ التجارب، بل في ملكية براءة الاختراع. فبينما تُعدّ إسبانيا “المنصة” المثالية للعلوم، غالبًا ما تنتقل الملكية الصناعية إلى المقرات الرئيسية للشركات متعددة الجنسيات في بازل أو ميونيخ أو بوسطن. ويكمن الخلل الرئيسي بين المشاركة العلمية الإسبانية وسيطرة الشركات على الابتكار في الاستحواذ على الملكية الفكرية.

فجوة براءات الاختراع: مرآة المكتب الأوروبي للبراءات
تُظهر بيانات المؤشر السنوي للمكتب الأوروبي للبراءات (EPO) حقيقةً مهمة. فبينما تتصدر دول مثل ألمانيا وسويسرا وهولندا باستمرار تصنيف طلبات براءات اختراع التكنولوجيا الحيوية، تحافظ إسبانيا على مركز متواضع.
تعكس هذه الفجوة تحديًا قائمًا: نقل التكنولوجيا. تُنتج إسبانيا علومًا عالية الجودة، لكن تحويل هذه المعرفة إلى شركات فرعية قادرة على الوصول إلى المراحل الصناعية لا يزال محدودًا. ولا تزال كثافة النظام البيئي الوطني لأعمال التكنولوجيا الحيوية أقل من مثيلاتها في دول شمال أوروبا.
نموذج “المركز التشغيلي”
تجد شركات عملاقة مثل فايزر ونوفارتس وروتش وسانوفي حليفًا استراتيجيًا في إسبانيا، وتستثمر ملايين الدولارات في نظامها الصحي نظرًا لكفاءته. ومع ذلك، يُعزز هذا النموذج مكانة إسبانيا كمركز تشغيلي. تتدفق المعرفة، وينشر الباحثون في مجلات مرموقة مثل Nature أو The Lancet، ويشهد نظام الرعاية الصحية تحديثًا، لكن القرارات الاستراتيجية وحقوق الاستغلال غالبًا ما تُدار من الخارج.
الاستثمار ورأس المال: مقارنة مع الدنمارك
يعتمد الفرق بين إنتاج البحوث وإنشاء شركات عالمية على النظام المالي. تُظهر الدول ذات الكثافة السكانية المنخفضة ولكن الصناعات الدوائية الضخمة، مثل الدنمارك (موطن شركة نوفو نورديسك)، مسارًا مختلفًا قائمًا على رأس المال الاستثماري المتخصص.
| مؤشر المنظومة (Ecosystem Indicator) | إسبانيا (Spain) | الدنمارك (Denmark) |
| تخصص رأس المال (Capital Specialization) | في نمو، ولكنه عام. | متخصص للغاية في علوم الحياة (Life Sciences). |
| استثمار رأس المال المخاطر في التكنولوجيا الحيوية (Biotech VC Investment) | ~0.02% من الناتج المحلي الإجمالي. | ~0.08% – 0.10% من الناتج المحلي الإجمالي (رائد أوروبياً). |
| نضج المنظومة (Ecosystem Maturity) | يركز على الخدمات السريرية (Clinical Services). | يركز على الملكية الصناعية (IP). |
| مصدر الاستثمار (Source of Investment) | عام/مختلط في الغالب. | حضور قوي للمؤسسات الصناعية. |
لظهور المزيد من الشركات الوطنية الرائدة مثل غريفولزفي مجال المنتجات المشتقة من الدم، تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى ثلاثة عناصر أساسية في مجال المنتجات: رأس مال استثماري متخصص ذو رؤية طويلة الأمد، وحاضنات تقنية متقدمة تُسهّل التواصل بين العلماء والمديرين، واستراتيجية دولة تضمن الاستقرار القانوني بغض النظر عن التقلبات السياسية.

من العلم إلى السيادة
لا يقتصر النقاش الاستراتيجي للعقد القادم على تعزيز البحث العلمي فحسب – وهو مجال تتفوق فيه إسبانيا بالفعل – بل يتعداه إلى تطوير آليات لتحويل هذا العلم إلى ريادة صناعية.
في اقتصاد المعرفة، يُعدّ إنتاج الأدلة العلمية جزءًا واحدًا فقط من العملية. يكمن التحدي في تحويل هذه الأدلة إلى براءات اختراع وشركات قادرة على المنافسة عالميًا. إذا ما تمّ ترسيخ هذه الخطوة، سيتطور النظام العلمي الإسباني من كونه مركزًا للتميز التشغيلي إلى قوة عظمى تتمتع بسيادة كاملة في الاقتصاد الطبي الحيوي الأوروبي.
المصادر والدقة العلمية:
وكالة الأدوية الأوروبية (EMA)
إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية – إحصاءات التكنولوجيا الحيوية
المكتب الأوروبي للبراءات (EPO) – فهرس البراءات
#الابتكار_الطبي_الحيوي #صناعة_الأدوية #العلوم_في_إسبانيا #التجارب_السريرية #اقتصاد_المعرفة #إيهاب_سلطان #HoyLunes