أوقفت شركة فايزر تجربة سريرية في الولايات المتحدة بسبب نقص المتطوعين. ليست هذه مشكلة تقنية، بل هي إنذار مبكر بوجود حد غير تقني محتمل في الابتكار الطبي الحيوي.
بقلم إيهاب سلطان
HoyLunes — في مجال الابتكار الطبي الحيوي، نفترض عادةً أن القيود تقنية أو مالية. لكن الواقع بدأ يُناقض هذه الفكرة. تخيل أننا صنعنا أسرع سيارة سباق وأكثرها أماناً وتقدماً تقنياً في التاريخ. لدينا الحلبة والوقود وفريق الميكانيكيين. ولكن عندما يحين موعد السباق، ننظر إلى المدرجات فنجدها فارغة. لا أحد يريد قيادتها. لا أحد يريد حتى مشاهدتها وهي تتسابق.
هذا هو بالضبط النمط الذي كشفته الأخبار الواردة من الولايات المتحدة. فقد أوقفت شركتا فايزر وبيونتيك تجربة سريرية للقاحهما المُحدّث ضد كوفيد-19 للبالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و64 عاماً. والسبب؟ لم يكن فشلاً علمياً. ولا يتعلق الأمر بمسألة تتعلق بالسلامة. بل كان الأمر أكثر بساطة، وفي الوقت نفسه، أصعب بكثير على الصناعة إدارته: لم يجدوا عددًا كافيًا من الأشخاص الراغبين في المشاركة.
لعقود، قيل لنا إن عنق الزجاجة في الابتكار الطبي هو العلم (اكتشاف الجزيء) أو المال (تمويل التطوير). اليوم، في أكثر أسواق العالم تقدمًا، يحدد السلوك البشري الحد الأقصى. وهذا يُدخل متغيرًا لا تسيطر عليه الصناعة ولا يمكنها التوسع فيه بسهولة.

الانفصال الصامت
تكمن المشكلة في منطقها القوي، ومع ذلك نُفضل تجاهلها. لقد رفع النظام التنظيمي، بقيادة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، معايير الطلب بشكل مشروع. إنهم يريدون المزيد من الأدلة، ودراسات أكبر وأكثر دقة. وهذا هو الصواب.
ولكن بينما تُشدد اللوائح ويتقدم العلم بسرعة فائقة، يتحرك المجتمع – نحن – بوتيرة مختلفة. بعد سنوات من تفشي الجائحة، وأزمات الثقة المؤسسية، والإرهاق الصحي، تغيرت النظرة إلى المخاطر والدافع للمشاركة في الدراسات.
نشأ توترٌ صامتٌ ولكنه قاتلٌ أمام الابتكار: نحن بحاجة إلى مشاركين أكثر من أي وقت مضى، ولكن الرغبة في المشاركة أقل من أي وقت مضى. لم تصطدم شركة فايزر بجدار علمي، بل اصطدمت بمزيج من الإرهاق، وانخفاض تقدير المخاطر، وعدم التوافق مع النظام.
دعونا لا نخدع أنفسنا بالاعتقاد بأن هذه مشكلةٌ حصريةٌ بلقاحات كوفيد-19. ما نشهده هو إنذارٌ مبكرٌ بحدٍ هيكليٍ محتملٍ لجميع الابتكارات الطبية الحيوية. فبدون تجارب، لا يوجد تحقق. وبدون تحقق، تبقى أروع العلوم حبيسة الورق.

أوروبا، تركز على تسارعها التكنولوجي
تحدثتُ مع زملاء في أوروبا، وكان الرد عادةً واحدًا: “ليس لدينا دليلٌ هنا على حدوث الشيء نفسه“. وهذا صحيح. تختلف أنظمة الرعاية الصحية، وتتباين مستويات الثقة المؤسسية، وتختلف النظرة إلى الصحة العامة. هذه ليست مشكلة حالية في القارة العجوز.
لكن السؤال الذي يؤرقني ليس ما إذا كانت هذه المشكلة تحدث الآن، بل: هل نبذل أي جهد لمنع حدوثها غدًا؟
تخوض أوروبا سباقًا محمومًا لبناء بنى تحتية للبيانات. يُعدّ فضاء البيانات الصحية الأوروبي، الذي تروج له المفوضية الأوروبية وتشرف عليه وكالة الأدوية الأوروبية، مشروعًا ضخمًا للتوافقية والتحول الرقمي. إنه المستقبل. لكنه مستقبل يركز بشكل شبه حصري على البيانات السريرية.
لدينا قدرات متقدمة في الذكاء الاصطناعي لتحليل السجلات، وتصميم التجارب المعقدة، والتنبؤ بالنتائج. نحن خبراء في إدارة “ماذا”، لكننا نتجاهل تمامًا “من”. ولا يزال هناك قصور تشغيلي مقلق: وهو عدم دمج المواطن بفعالية في هذه الأنظمة. وفي هذا الإغفال، يتم تحديد الحد التشغيلي الحقيقي للنظام.
المفارقة صارخة: تتزايد قدرتنا على تطوير الابتكارات الطبية بشكلٍ هائل، لكن العملية التي تجعلها قابلة للتطبيق – أي المشاركة البشرية – تعتمد على عوامل باتت سيطرتنا عليها تتضاءل باستمرار.
ضرورة وضع خارطة طريق جديدة
إذا ما ترسخ التوجه القادم من الولايات المتحدة، فلا يمكن للقطاع أن يكتفي بتحسين حملاته التواصلية. نحن بحاجة إلى بنية تحتية استراتيجية للمشاركة السريرية.
لا أقصد هنا التسويق، بل أقصد طبقة تشغيلية حقيقية تُزيل العوائق، وتُدمج البحث العلمي في رحلة الرعاية الصحية المعتادة، والأهم من ذلك، تُعيد بناء الثقة بشكلٍ مستدام. وهذا يستلزم إعادة تصميم الحوافز، ودمج المشاركة في الممارسة السريرية اليومية، والتعامل مع المريض لا كفاعل سلبي، بل كجزء فاعل من منظومة الابتكار.
التكنولوجيا والبيانات هما محرك طب المستقبل، لكن يبقى الوقود الأساسي هو استعداد المجتمع لدعم هذا التقدم.
ماذا يحدث عندما لا يعتمد الابتكار على ما يمكن للعلم فعله فحسب، بل على ما يرغب المجتمع في فعله؟ لقد قدمت الولايات المتحدة إشارة مبكرة. أما أوروبا، فتكتفي حاليًا بالمراقبة من خلال بياناتها المحدودة. والسؤال هو: هل ستكون هذه المراقبة كافية؟ أم أننا سنجد أنفسنا أمام مسارٍ فارغٍ عندما نرغب في التفاعل؟ لأن الابتكار الذي لا يجد مشاركين يتوقف عن كونه وعدًا، ويبدأ في التحول إلى خطرٍ بنيوي.
#التجارب_السريرية #الابتكار_الطبي_الحيوي #الصحة_العالمية #التكنولوجيا_الصحية #أوروبا #الخدمات_الصحية_الأوروبية #الأدوية #الاستراتيجية_الصحية #HoyLunes #إيهاب_سلطان #الثقة_الاجتماعية