نسير في هذا العالم ونحن على يقين تام بأننا نستكشف، دون أن نلاحظ الخيط الرقمي الذي يوجه كل خطوة من خطواتنا.
لم يعد يقتصر تأثير الخوارزميات على ما نشتريه أو نشاهده عبر الإنترنت فحسب، بل بدأت أيضًا، وبشكل صامت، في تشكيل الأماكن التي نحلم بزيارتها. ´إلى أي مدى لا تزال قراراتنا ملكًا لنا حقًا؟´
بقلم: إيهاب سلطان
هوي لونس (HoyLunes) – تظن أنك تبحث فقط عن إلهام لإجازتك القادمة، لكن في الحقيقة، هناك من بدأ يختار بالنيابة عنك بالفعل.
تفتح هاتفك لخمس دقائق فقط، باحثًا عن متنفس وسط روتينك اليومي. لا تحمل أي نية مسبقة، ولا خطة مرسومة. وفجأة، تظهر على الشاشة خليج صغير بمياه فيروزية ساحرة تبدو وكأنها خضعت للتعديل، تحيط بها منحدرات صخرية مثالية. تمرر إصبعك، فيظهر على الفور مقهى جذاب في زقاق مرصوف بالحصى، حيث يبدو بخار القهوة وكأنه يخترق الزجاج. تمرر مجددًا، فتجد قرية من العصور الوسطى مخفية وسط ضباب الصباح. أنت لم تبحث عن أي من هذا، بل كنت تشاهد فقط. وبعد أسبوع، ودون أن تشعر، تجد نفسك تدخل بيانات بطاقتك الائتمانية لشراء تذكرة طيران إلى تلك الوجهة ذاتها.
لم تكن أنت من عثر على ذلك المكان، بل إن ذلك المكان هو من عثر عليك في النهاية. وغالبًا لم يكن الأمر محض مصادفة.
في زمن مضى، كان السفر يولد من دافع مختلف؛ كنا نتصفح المجلات الجغرافية، أو نستمع إلى رواية حماسية من صديق، أو نصبح مهووسين بمشهد طبيعي اكتشفناه بين صفحات رواية. كان الاختيار يتطلب نية واعية، وخيطًا نمسك بطرفه لنكشف التفاصيل. أما اليوم، فقد انعكست العملية بشكل صامت؛ لم يكن تغييرًا مفاجئًا، بل حدث ببطء شديد حتى أننا بالكاد لاحظناه.

سيكولوجية الإلهام واقتصاد الانتباه
بينما تريح عينيك على الشاشة، تبدأ أنظمة الترشيح والتوصية — المصممة لاختيار وترتيب المحتوى الذي يراه كل مستخدم بناءً على سلوكه السابق — في العمل. وقد أظهرت أبحاث متعددة في علم النفس، والعلوم السلوكية، وأنظمة التوصية أن التكرار، والتخصيص، والقبول الاجتماعي تؤثر بشكل كبير على انتباه المستخدمين وتفضيلاتهم، وإن ظل كل قرار فردي معتمدًا على عوامل متعددة.
لم يعد الإلهام يسبق البحث دائمًا؛ بل أصبح البحث أحيانًا يولد من الإلهام الذي قرر أحدهم أن يظهره لنا.
يرصد النظام المدة التي تقضيها أمام صورة معينة، ومتى تتوقف للحظة أطول من المعتاد، أو ما هي المحتويات التي تثير لديك رد فعل متكرر. لا تحتاج إلى البحث؛ فإن تفضيلاتك يتم التنبؤ بها، واقتراحها، ودفعك نحوها بلطف. ولأول مرة في تاريخ السياحة، لم يعد الإلهام ينبع فقط من فضولنا، بل ينشأ أيضًا مما تقرر المنصة عرضه علينا.
والخطأ الشائع هو الاعتقاد بأن هذه الأدوات تعمل كموجهات محايدة، كمرشد يعرف ذوقك ويقترح عليك زاوية خاصة. لكن طبيعتها مختلفة؛ فهي لا تختار مكانًا لأنه الأكثر إثراءً لروحك أو الأنسب لسلامك النفسي، بل تختاره لأنه يمتلك البنية البصرية الدقيقة الكفيلة باحتجاز انتباهك لثانية إضافية.

تأثير التعرض المحض والوجهات المستنسخة
ندخل هنا في نطاق اقتصاد الانتباه، حيث لا يُقاس النجاح بجودة تجربتك في العالم الحقيقي، بل بمقدار الوقت الذي تقضيه متصلاً بالعالم الافتراضي. في هذا النموذج، يكون جذب انتباهك هو الهدف الأسمى؛ أما إلهام رحلتك فهو نتيجة محتملة، لكنه ليس الأولوية بالضرورة.
وعلى مستوى الدماغ، تعيد هذه الآلية تنشيط محفزات نفسية قديمة جدًا. فالإنسان مجبول على البحث عن الألفة والقبول الاجتماعي. ويطلق علم النفس المعرفي على هذه الظاهرة اسم ‘تأثير التعرض المحض’ (Mere-exposure effect): كلما رأينا محفزًا بشكل متكرر، أصبح أكثر ألفة وجاذبية بالنسبة لنا، حتى دون أن ندرك ذلك. وعندما يرى دماغنا المشهد الطبيعي ذاته يتكرر من زوايا مختلفة وبواسطة أشخاص مختلفين، ينشط لديه محفز لا واعي: إذا كان الكثير من الآخرين يبدون سعداء هناك، فإن هذا المكان مرغوب فيه. نحن لا نشتاق لتلك الرحلة لأننا ارتبطنا بتاريخها، بل نشتاق إليها لأن التكرار المستمر حول فضاءً غريبًا إلى شيء مألوف بشكل غريب. أما الخوف من تفويت ما يبدو أن البقية يستمتعون به، فيتكفل بالباقي.
ومع ذلك، من الإنصاف الاعتراف بأن هذه التكنولوجيا ليست قوة سلبية بطبيعتها؛ فكما هو الحال مع أي تقنية، يعتمد تأثيرها على كيفية استخدامنا لها. هذا المغناطيس ذاته أنقذ قرى مهجورة من النسيان، وأنعش اقتصاديات محلية كانت تحتضر، ويسر الوصول إلى مناظر طبيعية لم تكن في السابق إلا في متناول القليلين. المشكلة لا تكمن في الأداة، بل في النمطية الموحدة التي تنتجها عندما نستسلم للتوجيه الأعمى.
وفي هذا السياق، بدأت تنتشر عبارة على وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المتخصصة لوصف الأماكن التي، بعد انتشارها السريع، تبدأ في جذب تدفقات متشابهة جدًا من الزوار المستلهمين من نوع المحتوى ذاته، وهي: ‘الوجهات المستنسخة’. مدن بأكملها أو مواقع طبيعية ترى أعداد زوارها تتضاعف بين ليلة وضحاها بطريقة متطابقة تمامًا. وبذلك تصبح الرؤية الرقمية عاملاً جديدًا من عوامل التنافسية السياحية، وتتحول الجغرافيا إلى مجرد خلفية قابلة للاستبدال، مما يؤكد قوة ذلك النمط غير المرئي الذي يوجهنا جميعًا نحو النقطة ذاتها.
استعادة الاستقلالية
وهنا تبرز المفارقة الكبرى لعصرنا؛ فنحن نعيش في أكثر لحظات التاريخ الإنساني وفرة في وسائل الوصول إلى المعلومات وخيارات النقل، وكان الوعد الذي قطعتها التكنولوجيا هو التخصيص الفائق، لكن النتيجة غالبًا ما تكون نمطية مذهلة. ملايين المسافرين المستقلين ينتهي بهم المطاف بعبور الكوكب ليدخلوا الشارع ذاته، وينظروا إلى النصب التذكاري ذاته عبر الشاشة ذاتها، ويعيدوا إنتاج التجربة الجمالية ذاتها.

عند هذه النقطة، يتحول تساؤل السياحة إلى تأمل أعمق بكثير حول استقلاليتنا الشخصية. كم من الأماكن التي تحلم بزيارتها اكتشفتها بمحض الصدفة… وكم منها ظهر لك لأن منصة ما قررت أنه يتعين عليك رؤيتها؟
السؤال التحولي الحقيقي ليس إلى أي بلد ستسافر، بل السؤال الذي نادراً ما نطرحه على أنفسنا هو: لماذا ترغب في الذهاب إلى هناك تحديدًا؟ من أين ولد ذلك الشوق؟ هل كان ارتباطًا حقيقيًا بتاريخك الشخصي، أم فضولاً معرفيًا، أم كانت فكرة زُرعت في عقلك بصبر، بكسلًا تلو الآخر، أثناء دقائق انفصالك عن الواقع أمام الشاشة؟ ماذا لو لم يظهر هذا المحتوى على شاشتك أبدًا؟
ربما لم تعد الرفاهية الحقيقية للمسافر في القرن الحادي والعشرين هي اكتشاف مكان استثنائي، بل ربما تتمثل ببساطة في الاحتفاظ بالقدرة على أن يقرر بنفسه لماذا يريد الذهاب إلى هناك.** لأن الحرية تكمن أيضًا في اختيار مصدر رغباتنا.