المدينة المفكرة والمدينة المُدركة: الريادة الأوروبية ما وراء الخوارزمية

لن يُقاس نجاح الحوكمة الرقمية الحضرية بسرعة شبكاتها، بل بقدرتها على دمج الذكاء الاصطناعي مع كرامة الإنسان.

 

بقلم إيهاب سلطان

HoyLunes – لا تحتاج أوروبا إلى المزيد من أجهزة الاستشعار فحسب، بل تحتاج إلى رؤية ثاقبة.

خلال العقد الماضي، هيمنت الانبهارات التقنية على النقاش الدائر حول “المدن الذكية”: نشر “عُقد إنترنت الأشياء”، وتحسين الشبكات الذكية، والإدارة التنبؤية للنفايات. ورغم أن هذه التطورات أساسية للاستدامة، فإن الريادة الحضرية الأوروبية لن تُحدد بمن يمتلك أسرع خوارزمية، بل بمن يُثبت أن البيانات في خدمة “كرامة الإنسان”.
السؤال الاستراتيجي الذي يجب أن يُوجه العقد القادم ليس تقنيًا، بل ثقافيًا: هل يُمكن لمدينة أن تكون ذكية دون أن تُصبح غير مُبالية؟

من المدينة الخوارزمية إلى المدينة المعرفية

لا يكمن الخطر في التكنولوجيا، بل في تحويلها إلى كيان مُطلق. عندما يعتمد التخطيط الحضري حصراً على النماذج التنبؤية، يصبح الفضاء العام عرضةً لخطر التحول إلى معادلة كفاءة، حيث يُعامل المواطن كمتغير قابل للتحسين.

هذه هي “المدينة الخوارزمية”: بيئة وظيفية ومراقبة، ولكنها قد تكون مجردة من الطابع الإنساني، حيث يمكن أن يمر “التحديث الحضري القائم على البيانات” أو “التحيز في الخدمات العامة” دون أن يُلاحظ تحت ستار “الموضوعية” التقنية.

البديل هو الارتقاء بالنموذج نحو “المدينة الإدراكية”. يستخدم هذا النهج تحليل البيانات الضخمة لفهم احتياجات سكانها دون توحيدها. وهو يدمج الذكاء الاصطناعي لتحسين التدفقات الحضرية مع الحفاظ على التعددية والهوية المحلية.

وكما تشير “المفوضية الأوروبية” في نهجها تجاه الذكاء الاصطناعي، يجب أن تكون الأنظمة الرقمية ذات التأثير الكبير موثوقة وشفافة، وقبل كل شيء، تتمحور حول الإنسان. هذا المبدأ هو البوصلة الضرورية لمنع الكفاءة من تقويض الشرعية الديمقراطية.

المدن المعرفية: حيث تتحول البيانات من مجرد بيانات جامدة إلى وسيلة لفهم نبض سكانها.

نماذج مرجعية: التوازن السويسري

جنيف: الحوكمة الرقمية بوعي مدني

تمثل جنيف نقطة التقاء فريدة بين الدبلوماسية الدولية والابتكار التقني. هنا، لا تُعدّ الرقمنة غاية في حد ذاتها، بل طبقة تُعزز التقاليد المدنية.
وقد أولت استراتيجيتها الأولوية لـ “كفاءة الطاقة من خلال الشبكات الذكية” ومنصات مشاركة المواطنين التي تُحوّل البيانات إلى نقاشات. يُبرهن نموذج جنيف على إمكانية تعايش البنية التحتية الرقمية مع ثقافة الشفافية؛ فالذكاء الحضري لا يحل محل الحوار، بل يُثريه.

زيورخ: التنقل كتجربة إنسانية

إذا كانت جنيف تُمثل الحوكمة، فإن زيورخ تُمثل التميز التشغيلي. تدمج بنيتها التحتية أنظمة التحكم المروري في الوقت الفعلي وأولوية إشارات المرور للنقل متعدد الوسائط بسلاسة تامة.

ومع ذلك، فإن أعظم إنجازاتها هو “الخفاء التكنولوجي”. تعمل التكنولوجيا في زيورخ بدقة متناهية تجعل المواطن لا يشعر بوجود الخوارزمية، بل بحرية الحركة. إنها تكنولوجيا تُوظَّف لتقليل الاحتكاكات اليومية، مع مراعاة وقت الإنسان وسهولة الوصول.

أعلى مستويات التطور التقني هي تلك التي تُتيح للمواطن نسيان وجود التكنولوجيا.

مخاطر التنميط الحضري الثلاثة
لكي ينجح النموذج الناشئ للحوكمة الرقمية، يجب على المؤسسات والشركات التخفيف من حدة ثلاثة تحديات عملية:

 التحيزات الخوارزمية: القرارات الآلية في الخدمات الاجتماعية التي قد تُعيد إنتاج أوجه عدم المساواة التاريخية في غياب الإشراف البشري.

المراقبة المفرطة: تآكل الخصوصية الحضرية تحت ذريعة الأمن أو الكفاءة اللوجستية.

التجانس الثقافي: التخطيط القائم فقط على المقاييس الكمية، متجاهلاً النسيج الاجتماعي والذاكرة الجماعية للأحياء.

لقد كان موقف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية واضحًا: يجب ألا يُقوِّض التقدم التكنولوجي حقوق الإنسان أو الحوكمة الأخلاقية.

الحوكمة الأخلاقية: الإطار غير المرئي الذي يضمن عدم تآكل الحرية مع التقدم.

 

مجلس قيادة للمستقبل

لا ينبغي لأوروبا أن تتنافس على امتلاك المدينة الأكثر أتمتة، بل أن تكون القارة التي يعزز فيها الذكاء الحضري “استقلالية الإنسان“.

يتطلب تصميم المدن الواعية قرارًا استراتيجيًا: إخضاع كل طبقة من طبقات الاستشعار لمبدأ أساسي هو الكرامة. عمليًا، يعني هذا قياس النجاح ليس فقط بخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، بل أيضًا بـ”الرفاهية الحضرية المُدركة” والتماسك الاجتماعي.

وكما يُروج له برنامج “موئل الأمم المتحدة”، يجب أن تكون المدن الذكية شاملة. لا يكمن تحدي القرن الحادي والعشرين في بناء مدن تعمل كآلات مثالية، بل في بناء مدن تُدرك وتحترم وتُمكّن حياة سكانها.

إن القيادة بما يتجاوز الخوارزمية، في نهاية المطاف، هي فعل من أفعال الحكمة الحضرية.

 

المراجع 

المفوضية الأوروبية – “النهج الأوروبي للذكاء الاصطناعي”.

منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية – “مبادئ الذكاء الاصطناعي والحوكمة الرقمية”.

برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الموئل) – “إطار المدن الذكية للتنمية المستدامة”.

مختبر المدن الذكية التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا – “بحوث حضرية تتمحور حول الإنسان”.

 

#المدن_الذكية #الحوكمة_الرقمية #الذكاء_الاصطناعي_الأخلاقي #التخطيط_الحضري_الإنساني #جنيف #التكنولوجيا_النظيفة #HoyLunes #إيهاب_سلطان

Related posts

Leave a Comment

Esta web utiliza cookies propias y de terceros para su correcto funcionamiento y para fines analíticos. Contiene enlaces a sitios web de terceros con políticas de privacidad ajenas que podrás aceptar o no cuando accedas a ellos. Al hacer clic en el botón Aceptar, acepta el uso de estas tecnologías y el procesamiento de tus datos para estos propósitos. Más información
Privacidad